الرئيسية كلمات معاليه كلمة معاليه بمناسبة افتتاح برنامج مؤتمر الشبكة الدولية للتنمية عن الموارد الطبيعية والتنمية
كلمة معاليه بمناسبة افتتاح برنامج مؤتمر الشبكة الدولية للتنمية عن الموارد الطبيعية والتنمية | طباعة |
الثلاثاء, 03 فبراير/شباط 2009 21:28

نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية ووزير النفط بالوكالة
فـــــي
افتتاح برنامج مؤتمر الشبكة الدولية للتنمية عن الموارد الطبيعية والتنمية
الصندوق العربي للإنماء الإقتصادي والإجتماعي
03-05 فبراير 2009


السيدات والسادة ....


إنه لمن دواعي سروري أن أشارك في هذا المؤتمر الذي ينظر في قضية على جانب كبير من الأهمية، ألا وهي قضية الموارد الطبيعية والتنمية. منتهزا هذه الفرصة لأعبر عن شكري وتقديري لمنظمي المؤتمر لدعوتهم لي للمشاركة وتشريفي بإلقاء كلمة في الجلسة الإفتتاحية لأعماله، آملا وببالغ التفاؤل بأن يكتب له النجاح والتوفيق في تحقيق نتائجه المرجوة. 

  عند الحديث عن قضية الموارد الطبيعية وعلاقتها بالتنمية لابد لي بداية أن أشير إلى أنها مسألة تتعلق بحياة البشر على كوكب الأرض حاضراً ومستقبلاً ، وما إذا كانت السياسات المتبعة والوسائل المستخدمة لإستغلال الثروات قادرة على تحقيق التنمية المستدامة لتوفير الرفاه للأجيال الحاضرة وأجيال المستقبل ، ولسكان المعمورة المتوقع أن يزداد عددهم إلـى نحـــــــو 9 مليار نسمة بحلول عام 2050 .
 لقد منحتنا الطبيعة الكثير من الموارد منها ما هو متجدد ومنها ما هو غير متجدد ، إلا أنها وبمجملها أصبحت تواجه ضغوطات متعاظمة، ناجمة عن الزيادة المضطردة في عدد السكان والآثار المترتبة جراء ذلك على البيئة والتي يتحدد مداها بطبيعة الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية والتطورات التكنولوجية وأنماط الإنتاج والإستهلاك .

  
 ولقد شكلت الموارد الطبيعية باختلاف أنواعها ومصادرها وأحجامها وتفاوتها بين الدول عاملاً هاماً في التقدم الذي أحرزته التنمية بشقيها الإقتصادي والإجتماعي ، إلا أن هناك خشية في الوقت الراهن من تعثر التنمية المستدامة التي تواجه تحديات عدة، يتمثل أحد جوانبها في ما تتعرض له البيئة من إختلالات في التوازن المطلوب ما بين التنمية والبيئة التي تحيط بها ، الأمر الذي حدا ببلدي الكويت إلى تخصيص مبلغ 150 مليون دولار لتمويل أبحاث بشأن الحد من الإحتقان الحراري.


   وبما أن هذا المؤتمر يعقد في الكويت فسأركز على أهم موردين طبيعين لنا وهما المياه والنفط ، باعتبار المياه مورداً متجدداً والنفط موردا ناضبا. فالعلاقة الجدلية ما بين الموارد الطبيعية والتنمية تأخذ بعدا شائكا ومعقدا اذا اخنا بعين الاعتبار نضوبية (Exhaustibility) المورد الطبيعي ، فحقيقة ان النفط مورد ناضب يفرض ديناميكية خاصة في التحليل الاقتصادي للعلاقة ما بين الموارد الطبيعية والتنمية، وهنا تبرز محورية عدالة توزيع الدخل بين الاجيال فلا يحق للجيل الحالي ان يستهلك المورد الناضب على حساب الاجيال القادمة وهذا بالفعل ما قامت به الكويت عندما انشأت قبل اكثر من ثلاثة عقود صندوق الاجيال القادمة والذي هو بمثابة ضريبة يفرضها الاحفاد على الاجداد ليؤمنوا لانفسهم واحفادهم من بعدهم مستوى من الثروة في حالة نضوب النفط . كما ان نضوبية المورد الطبيعي تخلق اشكالية في تعريف مفهوم الاستدامة (Sustainability) في أدبيات التنمية المستدامة وهذا يتطلب منا قياسات حقيقية للحسابات القومية تأخذ بعين الاعتبار حقيقة نضوبية المورد الطبيعي وآثار استهلاكه على البيئة .


 وعودة الى المورد الثاني وهو المياه،  وبالرغم من كونه مورداً متجدداً إلا أنه أصبح مع مرور الزمن وبسبب الزيادة في السكان والأنماط المتعلقة باستغلاله واستخدامه يثير قلقاً من عدم قدرته على الوفاء بحاجات التنمية ، وفي مقدمتها التنمية الزراعية التي تعتبر ركناً أساسياً في مواجهة الفقر وسوء التغذية في الدول النامية ، وخصوصاً في القرى والأرياف حيث يتواجد معظم السكان المعتمدين على الزراعة . فالزراعة تستحوذ على النصيب الأكبر من مياه الري في العالم ، وتصل هذه النسبة إلى حوالي 90% في المنطقة العربية .


 وقد تعرض هذا المورد الحيوي لسوء الإستغلال والإستخدام في العديد من الدول النامية التي هي أحوج ما تكون إلى تنميته والمحافظة عليه ، ومن بينها الدول العربية أيضاً ، والتي تعتبر أكثرها فقراً في هذا المورد حيث ان نصيب الفرد العربي من المياه أقل من 15% من المستوى العالمي.

 فالممارسات غير السليمة في استخدام هذا المورد أدت في أحيان عديدة إلى تدني نوعية المياه جراء التلوث الناجم عن أساليب الري ، فضلاً عن إلقاء النفايات الصناعية وغيرها في مصادر المياه ذاتها وإحداث خلل في التوازن المطلوب بين سلامة المورد والبيئة . وهناك من الأمثلة العديدة التي يمكن الإشارة إليها في هذا الصدد ، إذ أن كثيراً من المياه الجوفية إما تدنى مستوى نوعيتها أو نضبت بسبب عدم المحافظة على التوازن المطلوب الذي فرضته الطبيعة لتجدد موردها ، كما أنه قد تم استغلالها بشكل جائر وتدنت قدرتها على أن تكون مورداً داعماً للتنمية .


 إن تركيزي على المياه والزراعة في مستهل مؤتمرنا هذا بشأن الموارد الطبيعية والتنمية يأخذ في الإعتبار المستجدات المتعلقة بالتنمية في السنوات الأخيرة والوضع الراهن . فبالرغم من الإنجازات التي حققتها الجهود الإنمائية من خلال التعاون بين الدول النامية والدول المانحة ومنظمات الأمم المتحدة ومؤسسات التنمية الوطنية والإقليمية والدولية ، إلا أنها لم تحرز التقدم المنشود في جوانب معينة من التنمية ، وفي مقدمتها تخفيض نسبة القفر والجوع التي لا زالت تمثل التحدي الأكبر في قائمة الأهداف الإنمائية للألفية التي أقرتها الأمم المتحدة في سبتمبر عام 2000 .


 وقد تعرض تحقيق هذا الهدف إلى نكسة جراء أزمة الغذاء التي ظهرت بوادرها في العام الماضي والتي ترجع إلى عدة أسباب من بينها الجفاف الذي أصاب بعض الدول ، واستخدام مورد طبيعي كالأراضي الزراعية لإنتاج الوقود الحيوي من محاصيل غذائية ، وقيام دول باتخاذ إجراءات لمنع تصدير سلع غذائية رئيسية بسبب إنخفاض وفرتها . ولهذه الأسباب فقد أدركت العديد من الدول النامية أن هذه المستجدات تفرض عليها أن تولي إهتماماً أكبر لاستغلال مواردها الطبيعية كالمياه والأراضي الزراعية لتحقيق أكبر قدر ممكن من الأمن الغذائي . وهذا يتطلب في واقع الأمر أن تسلك تلك الدول نهجاً جديداً في توجهاتها لإستغلال واستخدام مواردها الطبيعية ، كما أنها تستوجب دعماً أكبر من الجهات المانحة لتطوير قطاعي المياه والزراعة . وفي هذا الصدد أنشأت دولة الكويت في العام الماضي " صندوق الحياة الكريمة " لتمويل الأبحاث في القطاع الزراعي و تقديم المساعدات العاجلة للدول الأكثر تضرر بأزمة الغذاء وتبرعت بمبلغ 100 مليون دولار له كما خصصت مبلغ 300 مليون دولار لمكافحة الفقر والمرض في افريقيا.


 وفي ظل الأزمة المالية العالمية و إسقاطاتها على مستوى المعيشة في الدول النامية فإن الحاجة تبرز و بشدة الى ضرورة حماية الدول الأكثر فقرا على تجاوز هذه الأزمة بأقل الأضرار.  فمن غير المقبول أن تقدم الولايات المتحدة وأوروبا 3 تريليون دولار لإنقاذ مؤسساتها المصرفية في حين تفشل في توفير واحد على ألف من هذا المبلغ لمساعدة الدول الفقيرة على مواجهة الجوع والمرض.


بينما دأبت الكويت ، وخلال العقود الثلاثة الماضية، على تقديم مساعدات تنموية إلى الدول النامية و الأقل نموا بلغت 2% من إجمالي الناتج المحلي أي ما يقارب 3 أضعاف النسبة المتفق عليها في مؤتمر مونتري قبل 6 سنوات وهي 0.7%، وفي هذا الصدد أود أن أشير إلى ما قام به الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية ومنذ إنشائه عام 1961 من جهود تنموية شملت على ما يزيد عن المائة دولة من الدول النامية وذلك من خلال تقديم قروض ومنح ميسرة لمشاريع البنى التحتية التي بلغ عددها حتى الآن 750 مشروعا غطت قطاعات مختلفة كالزراعة والنقل والاتصالات والطاقة والمياه والصحة والتعليم بقيمة إجمالية بلغت 14.5 مليار دولار، كما أن الصندوق، ومنذ إقرار هيئة الأمم المتحدة للأهداف الإنمائية للألفية في عام 2000، اتخذ إجراءات عدة من اجل دعم جهود الدول النامية في محاربة الفقر والجوع من خلال تشجيع الدول المستفيدة لمنح أولوية لتمويل مشروعات القطاعات الزراعية وتوفير المزيد من الخدمات في قطاعي الصحة والتعليم فضلا عن مشروعات المحافظة على البيئة.


وحول التكامل الاقتصادي وأهميته في استغلال الموارد المتاحة للتنمية أود أن أشير إلى أن الدول العربية سعت إلى تحقيق ذلك الهدف منذ أمد طويل ، إلا أن النتائج مازالت متواضعة ، وهو ما تشير إليه التجارة البينية العربية حيث لم تتجاوز ما نسبته حوالي الـ 9% من إجمالي التجارة العربية .


والكويت وإنطلاقاً من إدراكها لأهمية التعاون العربي المشترك لتحقيق أهداف التنمية فقد استضافت أول قمة عربية إقتصاديـة بتاريخ 19 و 20 من شهر يناير الماضي حيث بحثت في قضايا متعددة تتعلق بدعم مسيرة واستراتيجيات التنمية في المنطقة العربية . وتوجت بقرارات هامة في جوانب مختلفة تتعلق بالتكامل والتعاون في المجالات الإقتصادية والاجتماعية والبيئية. ومن بينها تفعيل دور القطاع الخاص ودعم الأنشطة الإقتصادية الصغيرة والمتوسطة الحجم  وذلك من خلال توفير موارد مالية  بمقدار 2 مليار دولار أمريكي ساهمت دولة الكويت بمبلغ 500 مليون دولار من رأسماله، مع دعوة الدول العربية الأخرى للمساهمة .


السيدات والسادة ...


 لا يخفى عليكم أن التنمية عملية معقدة وذات جوانب مختلفة. فالموارد الطبيعية تلعب دوراً في ذلك، إلا أن استغلالها الاستغلال الأمثل من أجل الإسهام في التنمية يتطلب أن يتم ذلك في إطار من السياسات والقوانين والتشريعات المثلى للمحافظة على قيمتها ونوعيتها وتجنب الآثار البيئية الضارة التي قد تنجم عن إستغلالها. كما أن الاستفادة القصوى منها تتطلب استخدام التقنيات المناسبة والحديثة لزيادة إنتاجيتها، فضلاً عن النهوض بصناعة المعرفة واكتسابها والبناء عليها ومراكمتها، ودعم التنمية البشرية لتكون قادرة على تلبية متطلبات التنمية الإدارية والفنية وذلك من خلال استحداث أنظمة ومناهج تعليمية وأنشطة للبحث والتطوير والابتكار تتلاءم مع ما تقتضيه مقومات التنمية المستدامة .


 لذلك فإن مؤتمرنا هذا والذي تنظمه الشبكة العالمية للتنمية يعتبر حدثاً هاماً نعلق الآمال في أن تفضي مناقشاته وبحوثه  وآراء المشاركين فيه إلى تعميق الوعي وتركيز الجهود من أجل الإستغلال الأمثل والمرشد للموارد الطبيعية لتحقيق التنمية المستدامة على صعيد الدول النامية ولمنفعة البشرية جمعاء.


وفقكم الله جميعا، والسلام عليكم ورحمة الله و بركاته،،،